فوزي آل سيف
79
أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله
حَتّى يَبلُغُوا بِنا سَعَفاتِ هَجَرَ لَعَرَفتُ أنّا عَلى الحَقِّ وهُم عَلى الباطِلِ"[215]: أن هذه الراية - راية معاوية - قاتلتها ثلاث مرات مع رسول الله، وهذه هي المرة الرابعة؛ قاتلته في بدر وأحد والأحزاب والآن مع أمير المؤمنين عليه السلام هذه المعركة ليست أقل من تلك المعارك، فهي نفس المعركة ونفس الجبهة ونفس الجنود. وكان عمار في هذه المعركة عنوانًا للحق، فكما كان في حياته مقياسًا للحق مع أمير المؤمنين عليه السلام كانت شهادته عنوانًا ومقياسًا وكما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: آخر شرابك من الدنيا ضياح من لبن وتقتلك الفئة الباغية. فلما استشهد عمار وقتله أبو العادية من جنود معاوية، تذكر من كان في صفوف معاوية هذا الحديث. وهذا بقدر ما كان منقبة لعمار بن ياسر أنه يصبح علامة على (بغي) معاوية وعمرو بن العاص ليبقى ذلك مصباحًا ينفع المستضيئين في طول التاريخ الإسلامي حول شخصية هذين الرجلين، ويحدد الموقف من الفئة الباغية بنص رسول الله صلى الله عليه وآله، فهو مثلبة ليس فقط للفئة التي بقيت باغيةً واستمرت عاديةً وإنما حتى لمن تغير موقفهم بعد شهادة عمار وأبصروا الحق! وكونه مثلبة ومنقصة لهم لأن عينًا لا تبصر حق أمير المؤمنين وعدالة قضيته من خلاله وإنما من خلال أتباعه هي عين عشواء، لا بصيرة فيها. إنّ عمارًا مهما كانت منزلته ليس إلا تابعًا لأمير المؤمنين عليه السلام، وإنما بلغ تلك المنزلة لأنه اتبع أمير المؤمنين وإلّا بدون ذلك سوف يكون كآلاف من شهد الرسول وصحبه ثم لم يحسن الصحبة ولم يواصل الدرب الصحيح! ولكن كما ذكرنا فإن المناقب والأحاديث التي كان يقولها رسول الله صلى الله عليه وآله في حق الأشخاص كان يراد منها تصحيح المسيرة وهداية الناس بعده ولم يكن النبي كبعض القادة الذين يوزعون الألقاب وأنواط الشجاعة هكذا! وعلى كل حال فإنه بعد استشهاد عمار وهو يناهز الـ ٩٤ عاماً تحيّد قسم من جيش الشام عن المعركة لما بلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله. وينقل المؤرخون حوادث متعددة تشير إلى تلك الحالة، فمن ذلك ما نقل أن عبد الله بن عمرو بن العاص وهو يعد عندهم من أوعية العلم وحفظ الحديث حتى انتهره بعض القرشيين[216]على كثرة اهتمامه بحديث رسول الله (لأن ذلك سوف يحرجهم ويقف أمام اجتهاداتهم!!). فعن أبي عَبدِ الرَّحمَنِ السُّلَمِيُّ: شَهِدنا صِفِّينَ فَكُنّا إذا تَواعَدنا دَخَلَ هَؤُلاءِ فِي عَسكَرِ هَؤُلاءِ، وهَؤُلاءِ فِي عَسكَرِ هَؤُلاءِ، فَرَأيتُ أربَعَةً يَسِيرُونَ: مُعاوِيَةُ بنُ أبِي سُفيانَ، وأبُو الأعوَرِ السُّلَمِيُّ، وعَمرُو بنُ العاصِ وابنُهُ فَسَمِعتُ عَبدَ اللَّهِ بنَ عَمرٍو يَقُولُ لِأبِيهِ عَمرٍو: قَد قَتَلنا هَذا الرَّجُلَ، وقَد قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله فِيهِ ما قالَ: قالَ: أيُّ الرَّجُلِ؟ قالَ: عَمّارُ بنُ ياسِرٍ أما تَذكُرُ يَومَ بَنى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله المسجِدَ، فَكُنّا نَحمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وعَمّارٌ يَحمِلُ لَبِنَتَينِ لَبِنَتَينِ، فَمَرَّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله يَحمِلُ لَبِنَتَينِ لَبِنَتَينِ وأنتَ مِمَّن حَضَرَ، قالَ: «أما إنَّكَ سَتَقتُلُكَ الفِئَةُ الباغِيَةُ، وأنتَ أهلُ الجَنَّةِ» فَدَخَلَ عَمرٌو عَلى مُعاوِيَةَ، فَقالَ: قَتَلنا هَذا الرَّجُلَ، وقَد قالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله ما قالَ، فَقالَ: اسكُت فَو اللَّهِ ما تَزالُ تَرحَضُ فِي بَولِكَ، أنَحنُ قَتَلناهُ إنَّما قَتَلَهُ عَلِيٌّ وأصحابهُ جاءُوا بِهِ حَتّى ألقَوهُ بَينَنا!. وكذلك الحال فيما نقل عن عمرو بن حزم، فإنه: لَمّا قُتِلَ عَمّارُ بنُ ياسِرٍ: دَخَلَ عَمرُو بنُ حَزمٍ عَلى عَمرِو بنِ العاصِ، فَقالَ: قُتِلَ عَمّارٌ وقَد سَمِعتُ، رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تَقتُلُهُ الفِئَةُ الباغِيَةُ» فَقامَ عَمرٌو فَزِعًا حَتّى دَخَلَ عَلى مُعاوِيَةَ، فَقالَ لَهُ مُعاوِيَةُ: ما
--> 215 ) المستدرك للنيشابوري 3/ 434 216 ) حنبل؛ أحمد بن: مسند أحمد مخرجا ١١/٤٠٦..عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قالَ: كُنْتُ أكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أسْمَعُهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ عَنْ ذَلِكَ، وقالُوا: تَكْتُبُ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي الغَضَبِ والرِّضا؟ فَأمْسَكْتُ، حَتّى ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقالَ: «اكْتُبْ، فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ما خَرَجَ مِنهُ إلّا حَقٌّ»..